عائشة خان عابرة الحدود و كاسرة القيود
في عالمٍ طالما سيطر عليه الصخب والمحركات، تبرز أسماءٌ لا تكتفي بالمشاركة، بل تصنع التاريخ. ليبة خان أو عائشة خان، ليست سائقة فحسب، بل هي نموذجٌ حيّ للإرادة والشجاعة. لم تكتفِ عائشة بكونها أول سائقة “دريفت” في تاريخ باكستان، بل مضت لتسجل حضوراً تاريخياً كأول امرأة تشارك في بطولة الدريفت بالمملكة العربية السعودية، كاسرةً بذلك القوالب النمطية وممهدةً الطريق لجيلٍ جديد من النساء في رياضة المحركات.
عائشة تحمل شغفاً لا يهدأ، ورسالةً تتجاوز حدود المضمار؛ رسالة تمكين المرأة وإثبات أن الموهبة والاحتراف لا يعرفان جنساً. في هذه المقابلة، نغوص في أعماق رحلتها الملهمة، لنتعرف على الطفولة التي شكلت وعيها، ونقطة التحول التي حولت “فيديو عفوي” إلى مسيرة احترافية.
1: في البداية، هل يمكنكِ تعريفنا عن نفسكِ؟ حدثينا عن طفولتكِ، أين نشأتِ، وعن خلفية عائلتكِ؟
أنا من باكستان ، نشأت في مدينة إسلام آباد. أنحدر من خلفية عائلية معروفة ولها وجودها ؛ والدي رجل أعمال ووالدتي مصممة، وقد شجعاني دائماً على اتباع شغفي والإيمان بنفسي. والدي في الأصل من إقليم البنجاب ووالدتي من إقليم السند، لذا نشأت بين مزيج من الثقافات، لكننا نعرّف أنفسنا كبنجابيين . منذ صغري، تُرعرت في بيئة تحفزني على الحلم الكبير والعمل الجاد . كل ما حققته حتى الآن يعود إلى الدعم المستمر والإيمان بقدراتي الذي أظهرته لي عائلتي طوال مسيرتي .
2: في أي عمر بدأ شغفكِ بالسيارات ، ومتى كانت أول مرة جلستِ فيها خلف المقود؟
بدأ شغفي بالسيارات في سن مبكرة جداً . نشأت في عائلة يدير فيها والدي أعمالاً تتعلق بالسيارات والإنشاءات ، لذا كنت محاطة دائماً بمختلف أنواع المركبات . مشاهدة السيارات الجديدة وهي تصل وتجربة موديلات مختلفة جعلتني فضولية ومتحمسة بالفطرة تجاه عالم المحركات . لكن نقطة التحول الحقيقية جاءت لاحقاً ؛ ذات يوم ، نشرت مقطع فيديو عفوي على إنستغرام وأنا أقوم بحركات “الدونات” (Donuts) بسيارة مرسيدس ، وانتشر الفيديو بشكل هائل .
إلى جانب الاهتمام، تلقيت الكثير من التعليقات السلبية التي تقول إن النساء لا ينتمين إلى هذا المجال . بدلاً من أن يثبط عزيمتي ، دفعني ذلك الموقف لإثبات نفسي، وأصبح الأمر تحدياً شخصياً . ثم انتقلت إلى دبي وانضممت إلى “أكاديمية برو دريفت” (ProDrift Academy) ، حيث تدربت باحترافية على الدريفت . ومن هناك ، أصبحت رحلتي أكثر جدية.
اليوم ، أمتلك سيارتي الخاصة لمشروع الدريفت ، وهي من طراز BMW E46 ، كما حظيت بفرصة نقل شغفي إلى المستوى الدولي، بما في ذلك التنافس في المملكة العربية السعودية .
3: متى توجهتِ إلى رياضة المحركات؟ وهل كان ذلك بتوجيه من شخص معين أم بدافع شخصي بحت؟
انتقالي إلى رياضة المحركات حدث مباشرة بعد نقطة التحول تلك في حياتي . لم يعد الأمر مجرد هواية، بل أصبح شيئاً أردت أخذه على محمل الجد. جزء كبير من دافعي كان داخلياً ، لكنني تلقيت أيضاً دعماً قوياً من والديّ الذين آمنوا بي دائماً ولم يقفا يوماً في طريقي.
في الوقت نفسه ، التعليقات السلبية التي تلقيتها عبر الإنترنت ، خاصة فكرة أن الفتيات لا ينتمين لهذا المجال ، دفعتني للعمل بجهد أكبر . وبدلاً من السماح لها بالتأثير عليّ ، استخدمتها كوقود لإثبات أن النساء يمكن أن يكنّ على قدر عالٍ من الكفاءة والقوة والشغف في رياضة المحركات . تلك المرحلة شكلت عقليتي حقاً ، وحولت شغفي إلى هدف ، ليس لنفسي فقط ، بل لتمثيل وتمكين الفتيات الأخريات اللواتي يرغبن في كسر القوالب النمطية واتباع مسارهن الخاص.
4: هل يمكنكِ إخبارنا عن وضع الأنشطة الرياضية في باكستان، وخاصة رياضة المحركات؟ وهل يوجد أبطال في هذه الرياضة هناك؟
في باكستان ، رياضة المحركات في نمو مستمر ، لكنها لا تزال في طور التطوير مقارنة بدول أخرى . الأكثر شعبية في رياضة المحركات هو “رالي الصحراء”، وخاصة فعاليات مثل “رالي صحراء تشولستان”، حيث لدينا العديد من السائقين المحترفين وذوي المهارات العالية ، ليس فقط في فئة الرجال ولكن في فئة النساء أيضاً.
لقد شاركتُ أيضاً في الراليات، وكانت تجربة مميزة جداً بالنسبة لي لأنها كانت أول سباق لي ، وحققت فيها مركزاً على منصة التتويج في فئة المحترفين دون تدريب مسبق . وهذا يعكس حقاً مستوى الموهبة التي نمتلكها في باكستان.
أما بالنسبة للدريفت، فلا يزال في مراحله الأولى ولكنه ينمو بسرعة . هناك العديد من متسابقي الدريفت الموهوبين، خاصة بين الرجال، لكن التمثيل النسائي محدود جداً. أنا فخورة بكوني أول سائقة دريفت في باكستان ، وأرى ذلك مسؤولية لفتح الأبواب لمزيد من النساء في هذا المجال . بشكل عام ، تمتلك باكستان إمكانات قوية، ومع المزيد من الدعم والفرص ، أؤمن حقاً أننا سنرى العديد من الأبطال .
5: بعد مشاركاتكِ في عدة فعاليات في منطقة الخليج، كيف ترين التطور السريع لرياضة المحركات في الخليج ؟
من خلال تجربتي في المشاركة بفعاليات مختلفة في الخليج، رأيت تطوراً سريعاً ومبهراً للغاية ، خاصة في المملكة العربية السعودية . أكثر ما يلفت الانتباه هو مستوى الدعم والتشجيع ، لا سيما للسائقات . حتى لو كانت هناك فتاة واحدة فقط على المضمار ، فإنها تحظى بالاحترام والتحفيز وتُمنح المساحة للنمو. خلال فترة تواجدي في الخليج ، تلقيت الكثير من التقدير والاحترام . كوني من السائقات القلائل على المضمار ، ليس فقط من باكستان بل في تلك البيئة بشكل عام، كانت تجربة قوية . لقد أظهر لي ذلك مدى تطور المنطقة ومدى جديتها في الاستثمار في رياضة المحركات والمواهب.
و بسبب هذه الفرص والاحترافية والبيئة الإيجابية ، قررت الانتقال إلى المملكة العربية السعودية لمواصلة المرحلة التالية من مسيرتي في رياضة المحركات ، مع الاستمرار في تمثيل باكستان.
أؤمن أن هذه الخطوة ستسمح لي بالنمو أكثر ، والتنافس على مستوى أعلى ، وأن أكون جزءاً من منطقة تشكل مستقبل رياضة المحركات.
6: أين تجدين نفسكِ في المستقبل القريب، وما هي طموحاتكِ؟
في المستقبل القريب ، أرى نفسي مكرسة تماماً لرياضة المحركات ، أتطور كسائقة دريفت محترفة وأنافس على مستوى أعلى بكثير . هدفي هو المشاركة في المزيد من البطولات ، ومواصلة تحسين مهاراتي ، و إثبات حضور قوي في عالم الدريفت . الفوز هو الحلم دائماً ، ولكن الأهم من ذلك هو أن أُعرف كسائقة ماهرة ومثابرة ومحترمة.
كما أرى نفسي مستقرة في المملكة العربية السعودية ، أشارك بنشاط في الفعاليات هناك وأمثل كلاً من باكستان والسعودية في المحافل الدولية. الفرص والنمو في المنطقة مذهلان ، وأريد أن أكون جزءاً من تلك الرحلة . في السنوات القادمة ، أطمح للتنافس في بعض أشهر بطولات الدريفت العالمية وترسيخ حضوري عالمياً . بشكل عام ، طموحي هو ترك بصمتي في رياضة المحركات ، وإلهام المزيد من النساء لدخول هذا المجال ، وتمثيل بلادي بكل فخر أينما ذهبت.
7: مؤخراً، مثلتِ المملكة العربية السعودية في معرض بكين للسيارات . مع أي علامة تجارية كنتِ تعملين، وكيف كان شعوركِ بتمثيلهم في مثل هذه المنصة العالمية ؟
في معرض بكين للسيارات، حظيت بفرصة تمثيل المملكة العربية السعودية أثناء العمل مع علامات تجارية مثل “SOUEAST” و”ROX Motors”. كانت تجربة مليئة بالفخر والمعاني بالنسبة لي ، ليس فقط على المستوى المهني بل الشخصي أيضاً.
حرصتُ على إنشاء محتوى باللغتين العربية والإنجليزية ، حيث إنني أتعلم اللغة العربية حالياً وأستعد للانتقال إلى السعودية . كان من المهم بالنسبة لي تمثيل ليس فقط الجانب المتعلق بالسيارات ، بل أيضاً الهوية الثقافية للمنطقة . كوني من صانعات المحتوى القلائل اللواتي يمثلن السعودية في ذلك الفضاء، وخاصة في مراجعات السيارات، كانت لحظة قوية. فإلى جانب السباقات، يعد إختبار السيارات جزءاً كبيراً مما أفعله ، والقدرة على عرض ذلك في منصة عالمية مثل معرض بكين كانت تعني لي الكثير . شعرت أنني لا أمثل علامة تجارية فحسب ، بل أمثل ثقافة وعقلية وموجة جديدة من النساء اللواتي يدخلن هذه الصناعة .
8: أخيراً، بالنسبة للسيدات اللواتي يرغبن في المشاركة في رياضة المحركات كسائقات ، ما هي النصيحة التي تقدمينها لهن ليصبحن أيقونات بارزة في هذا العالم؟
نصيحتي لكل فتاة ترغب في دخول رياضة المحركات بسيطة: لا تفقدي الأمل أبداً ولا تشكي في نفسكِ . إذا كنتِ تؤمنين حقاً بقدرتكِ على فعل شيء ما ، فافعليه بغض النظر عما يقوله أي شخص . لا يوجد شيء يسمى “مجال يهيمن عليه الرجال” عندما تمتلكين الشغف والانضباط والشجاعة.
ستسمعين الكثير من الضجيج، وأشخاصاً يخبرونكِ أنكِ لا تنتمين لهذا المكان ، أو أن هذا ليس لكِ . لكن اللحظة التي تتوقفين فيها عن الاستماع إليهم و تبدأين بالإيمان بنفسكِ ، هي اللحظة التي يتغير فيها كل شيء . قوتكِ موجودة بداخلكِ عليكِ فقط الوثوق بها. كوني شجاعة ، كوني مثابرة ، والأهم من ذلك ، كوني نفسكِ ؛ لأن العالم لا يحتاج إلى نسخ إضافية ، بل يحتاج إلى نساء قويات مستعدات لكسر الحواجز وصناعة مسارهن الخاص .