وقود الفورمولا 1: القوة الخفية خلف السرعة القصوى
فادي المطيري
في عالم الفورمولا 1، يتحدث الجميع عن الديناميكا الهوائية والمحركات الهجينة والإطارات، لكن قلّ من يلتفت إلى البطل الصامت الذي يحرك كل هذا، إلى وهو الوقود. توجد تركيبة كيميائية معقدة داخل خزان كل سيارة سباق تمثل نتاج سنوات من الأبحاث بين شركات الوقود ومصنّعي المحركات، وهي التي تحدد في أحيان كثيرة الفارق بين الفوز والهزيمة.
منذ دخول الحقبة الهجينة عام 2014، أصبح الوقود في الفورمولا 1 جزءًا لا يتجزأ من هندسة الأداء، فكل فريق يعتمد على شريك طاقة متخصص يطوّر له وقودًا مخصصًا يناسب خصائص محركه: شل مع فيراري، بتروناس مع مرسيدس، إكسون موبيل مع ريد بُل، بي بي / كاسترول مع ألبين، أرامكو مع أستون مارتن، و غلف مع ويليامز. ورغم أن لوائح الاتحاد الدولي للسيارات (FIA) تفرض مواصفات صارمة تجعل الوقود قريبًا جدًا من البنزين العادي ذي أوكتان 102، فإن التفاصيل الدقيقة المتمثلة في نسب الإضافات، وكثافة الطاقة، وسرعة الاحتراق تمنح كل فريق طابعه الخاص.
تعمل شركات الوقود جنبًا إلى جنب مع مهندسي المحركات للوصول إلى أفضل توافق ممكن بين الوقود وأنظمة الاحتراق واسترجاع الطاقة. فكل نقطة مئوية من الكفاءة الحرارية قد تساوي عُشر الثانية في اللفة، وهو فرق ضخم على مستوى الفورمولا 1. ولهذا تُختبر الخلطات الجديدة على أجهزة المحاكاة ودينامومترات المحركات قبل أن تصل إلى الحلبة، لتُضبط وفقًا لطبيعة كل وحدة طاقة.
لكن المستقبل يحمل ثورة جديدة، فابتداءً من موسم 2026، ستتحول الفورمولا 1 إلى استخدام وقود صناعي مستدام بنسبة 100%، طُوّر بالتعاون بين أرامكو والاتحاد الدولي. سينتَج هذا الوقود من مصادر غير أحفورية كالنفايات أو الكربون المستخلص من الهواء ليحافظ على نفس القوة مع تأثير صفري على الكربون. إنها خطوة ضخمة نحو جعل رياضة السرعة الأعلى في العالم منصة اختبار لتقنيات بيئية متقدمة.
الوقود في الفورمولا 1 ليس وقود صواريخ كما يظن البعض، بل هو بنزين متطور جدًا يشبه إلى حد كبير الوقود الذي نستخدمه في سياراتنا اليومية، مع اختلافات دقيقة في النقاء والتركيب، وحتى هذه التفاصيل تُراقَب بدقة: فتُخفض درجة حرارة الوقود قبل التزود لزيادة كثافته، وتُحلل عينات منه بعد كل سباق لضمان الالتزام الكامل بالقوانين، فأي انحراف بسيط قد يعني استبعاد فوري لفريق.
وبهذا الشكل يظل الوقود أحد أهم أسرار القوة في الفورمولا1 رغم أنه غير مرئي للجمهور، إنه التوازن المثالي بين الكيمياء والهندسة، بين السرعة والاستدامة، بين مختبرات الشركات العملاقة وحلبة السباق. وفي زمن تتسابق فيه الدول نحو مستقبل أنظف، تواصل الفورمولا 1 إثبات أن الطريق إلى الكفاءة يبدأ من قطرة وقود.

